
في أروقة السلطة بمدينة ميونيخ، وتحديداً داخل المكتب الخاص لمقر حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني (الحزب النازي)، كان المشهد يحمل مفارقة تاريخية صارخة. هناك، حيث يُخطط لإعادة تشكيل العالم بالنار والدم، كانت تتصدر المشهد صورة مؤطرة بعناية لرجل لم يكن ألمانياً، ولم يكن جنرالاً عسكرياً، بل كان أمريكياً بامتياز. ذلك الرجل هو “هنري فورد”، أيقونة الصناعة الأمريكية وملك السيارات الذي وضع العالم على عجلات. لم تكن تلك الصورة مجرد زينة، بل كانت رمزاً لعلاقة فكرية ومادية معقدة ستظل تطارد إرث عائلة فورد لعقود طويلة، علاقة كشفت عنها الأبحاث التاريخية والوثائق التي نُفض عنها الغبار، لتُظهر خيطاً رفيعاً ولكنه متين ربط بين عبقرية ديترويت وجنون برلين.
فوق طاولة القهوة القريبة من مكتب أدولف هتلر، كانت تتناثر نسخ من كتاب “اليهودي العالمي” (The International Jew)، وهو ليس سوى تجميع لمقالات نارية نُشرت سابقاً في صحيفة “ديربورن إندبندنت” التي كان يمتلكها هنري فورد. كان الأمر ليمر مرور الكرام لو أن كاتب هذه السطور شخصية هامشية، لكن أن يكون الكاتب هو “فورد” نفسه، فخر الصناعة الأمريكية، فهذا ما دفع الباحثين للتنقيب عميقاً في تلك العلاقة المريبة. لقد استغل محامون يمثلون ضحايا الهولوكوست هذه التفاصيل في منتصف التسعينيات، محاولين إثبات مسؤولية أخلاقية وقانونية تقع على عاتق شركة “فورد موتور” لدورها المحتمل في دعم الآلة النازية.
من الإلهام إلى التماهي: هنري فورد كما رآه هتلر
لم يكن الإعجاب من طرف واحد، فقد نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مصادر تاريخية أن هتلر صرح لمراسل صحيفة “ديترويت نيوز” قبل وصوله للمستشارية بعامين قائلاً بوضوح: “أنا أرى في هنري فورد مصدر إلهام لي”. لم يتوقف الأمر عند الإلهام الصناعي، بل امتد ليتماهى مع الرؤى السياسية والعنصرية؛ ففي عام 1923، نُقل عن هتلر وصفه لفورد بأنه “زعيم الحركة الفاشية المتنامية في أمريكا”، مبدياً إعجابه الصريح بالسياسة المعادية للسامية التي تبناها فورد، والتي كانت تتماشى تماماً مع البرنامج الفاشي في بافاريا. بل وصل الأمر بهتلر إلى تمني نشر “قوات صاعقة” في المدن الأمريكية الكبرى لدعم فورد في حال قرر الترشح للرئاسة الأمريكية. تبدو هذه الرواية وكأنها ضرب من الخيال، فكيف لرجل يمثل الحلم الأمريكي، وساهم في بناء الطبقة الوسطى وتغيير شكل الاقتصاد العالمي، أن يكون ملهماً لأكثر الشخصيات دموية في التاريخ الحديث؟ وكيف لابن مزارع بسيط أن ينتزع اعترافاً بالعظمة من “الفوهرر”؟ للإجابة عن ذلك، يجب أن نعود بعقارب الساعة إلى الوراء، إلى الحقول الطينية حيث ولدت الأحلام الكبيرة.

وُلد هنري فورد عام 1863 في مزرعة ببلدة ديربورن بولاية ميشيغان، لعائلة لم تكن تعاني الفقر المدقع ولكنها كانت تعيش حياة الكفاف والعمل الشاق. في مذكراته المعنونة “حياتي وعملي”، يصف فورد تلك الأيام بمرارة ممزوجة بالتحدي، مشيراً إلى أن العمل اليدوي في المزارع كان قاسياً وغير فعال، ومنذ نعومة أظفاره، تملكته قناعة بأن هناك طرقاً أفضل لإنجاز هذه المهام. لم تكن طفولته عادية؛ فبينما كان أقرانه يلهون بألعاب جاهزة، كان فورد يصنع ألعابه بنفسه من بقايا الخردة والأدوات الحديدية، معتبراً كل قطعة معدنية كنزاً ثميناً. لم يستهوه التعليم الأكاديمي التقليدي، ولم يسعَ وراء المهن النخبوية؛ كان شغفه الحقيقي يكمن في الميكانيكا، القوة الوحيدة التي آمن بقدرتها على خدمة البشرية وتخفيف عبء العمل الشاق عن كاهل الناس.
نقطة التحول الكبرى في حياة هذا الفتى حدثت وهو في الثانية عشرة من عمره، في لحظة وصفها لاحقاً بأنها “أكبر حدث” في سنواته الأولى. كان ذلك حينما تقاطعت طريقه مع محرك بخاري ضخم يسير على الطريق، على بعد أميال قليلة من ديترويت. كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها مركبة تتحرك بقوتها الذاتية دون أن تجرها الخيول. لم يكن المحرك سوى آلة بدائية ضخمة من صنع شركة “نيكولس أند شيبارد”، عبارة عن غلاية محمولة على عجلات مع خزان مياه وعربة فحم، مخصصة أساساً لأعمال الحرث، لكن السلسلة التي كانت تربط المحرك بالعجلات الخلفية هي التي أسرت خيال الفتى الصغير. تلك اللحظة لم تكن مجرد مشاهدة عابرة، بل كانت الشرارة التي قادته لدخول عالم النقل الميكانيكي، ليعكف بعدها على محاولة صناعة نماذج مصغرة لهذا المحرك، محققاً نجاحاً مبدئياً بعد سنوات قليلة.
تطور شغف فورد بسرعة مذهلة؛ ففي سن الثالثة عشرة، أصبح خبيراً في إصلاح الساعات، وهي مهارة تتطلب دقة وصبرًا عاليين. كان والده يخطط له أن يرث المزرعة ويصبح مزارعاً مثله، لكن هنري كان يرى مستقبله بين التروس والزيوت لا بين المحاريث والسنابل. في سن السابعة عشرة، اتخذ قراره المصيري بترك المدرسة والعمل في شركة للمحركات، حيث وجد ضالته في العمل الذي يتطلب الدقة المتناهية. ورغم أنه فكر لفترة في احتراف صناعة الساعات الشعبية الرخيصة، إلا أنه تراجع عن الفكرة لإدراكه حقيقة اقتصادية مبكرة: الساعات ليست سلعة ضرورية للجميع، وهو كان يبحث عما هو ضروري وعالمي. كانت رؤيته تتجه نحو شيء أكبر، شيء يحل محل الخيول ويغير وجه الأرض.
في عام 1879، خطى الشاب الطموح خطوة عملية بالعمل مع ممثل محلي لشركة “ويستينغهاوس” (Westinghouse)، متخصصاً في تركيب وإصلاح المحركات الآلية. كانت هذه الفترة بمثابة مدرسة واقعية لهنري فورد، حيث اصطدم وجهاً لوجه مع محدودية التكنولوجيا السائدة آنذاك. فرغم انبهاره بالقوة الميكانيكية، إلا أن ثقل وزن المحركات البخارية وكلفتها الباهظة كانا يمثلان عائقاً أمام حلمه بتعميم الفائدة. كانت تلك الوحوش المعدنية تزن أطنانًا، ولا يقوى على شرائها إلا كبار المزارعين، بينما كان فورد يحلم بآلة خفيفة، “جرار شعبي” يحل محل الخيول ويقوم بالأعمال الشاقة في كل مزرعة أمريكية. ورغم إلهامه بنماذج إنجليزية كانت تستخدم لتشغيل المقطورات، إلا أنه أدرك سريعاً أن البنية التحتية للطرق الأمريكية الهشة في ذلك الوقت لن تتحمل تلك الأوزان، فضلاً عن العائق الاقتصادي الذي يجعل الفكرة غير عملية تجارياً.
لم يدم بقاؤه في “ويستينغهاوس” طويلاً، فقد تشبع بكل ما يمكن لتلك المحركات الضخمة أن تعلمه إياه، وبدأ يبحث عن تقنية بديلة أخف وأكثر كفاءة. وجد ضالته المنشودة في مقال بمجلة علمية يتحدث عن “محرك الغاز الصامت” الذي ابتكره “أوتو” في إنجلترا. كانت تلك هي اللحظة الفاصلة؛ ففي عام 1885، وأثناء عمله في إصلاح محرك “أوتو” في ديترويت، أتيحت له فرصة تفكيك ودراسة هذا الاختراع الجديد الذي كان مجهولاً تقريباً في مدينته. لم يكتفِ بالمشاهدة، بل عكف في عام 1887 على صناعة محرك مماثل رباعي الأشواط، ليختبر بنفسه مدى استيعابه لمبادئ عمله، معلناً بذلك بداية عصر جديد في مسيرته.
عاد فورد إلى مزرعة والده، ولكن ليس كمزارع تائب، بل كمبتكر يضمر في نفسه شيئاً آخر. حاول والده إغراءه بالاستقرار، فمنحه أربعين فداناً من الأرض شريطة أن يطلق طلاقاً بائناً مهنة الميكانيكا، ووافق هنري ظاهرياً ليؤمن استقراره المادي بعد الزواج، لكنه في الخفاء حول تلك الأرض إلى ورشة للتجارب. وهناك، وسط هدوء الريف، ولد الضجيج الذي سيغير العالم؛ فبعد محاولات مضنية، نجح في عام 1896 في بناء سيارته الأولى التي أطلق عليها اسم “الرباعية” (Quadricycle)، وهي مركبة بدائية تشبه العربات التي تجرها الدواب لكن بمحرك بنزين.

يصف فورد تلك الأيام بشيء من السخرية، فقد كانت عربته هي السيارة الوحيدة في ديترويت لفترة طويلة، وكانت تعتبر “إنجازاً مزعجاً” في نظر العامة. كان صوت محركها يثير الذعر بين الخيول، وتوقفها في أي مكان يتسبب في تجمهر الفضوليين وتعطيل حركة المرور، مما اضطره لحمل سلسلة حديدية لربطها بأعمدة الإنارة خوفاً من عبث المارة. ومع تكرار المشاكل، وجد نفسه في مواجهة مع الشرطة، ليصبح أول سائق يحصل على “تصريح خاص” للقيادة في أمريكا، متمتعاً بلقب السائق الوحيد المرخص له لفترة من الزمن. ورغم تعلقه بابتكاره الأول، إلا أن عقلية التاجر بدأت تتشكل لديه، فباع سيارته الأولى بمبلغ 200 دولار، ليس طمعاً في الربح، بل لتمويل صناعة النموذج الثاني الذي كان يخطط لأن يكون أخف وأفضل.
لم تكن الطريق مفروشة بالورود، فالمحاولات الأولى لتحويل هذا الابتكار إلى مشروع تجاري واجهت عقبات كأداء. في عام 1899، أسس مع شركاء آخرين “شركة ديترويت للسيارات” (التي تحولت لاحقاً إلى كاديلاك)، وعمل فيها ككبير مهندسين، لكن الفشل كان حليفهم بسبب قلة المبيعات واختلاف الرؤى، مما دفعه للاستقالة عام 1902 بعد أن قرر ألا يعمل تحت إمرة أحد بعد اليوم. استأجر متجراً صغيراً وحوله إلى مختبر خاص، وهناك عمل بحرية مطلقة لتطوير محرك رباعي الأسطوانات، ممهداً الطريق لتأسيس إمبراطوريته الخاصة.
في عام 1903، ولدت “شركة فورد للسيارات”، ومعها ولدت فلسفة صناعية جديدة. لم يكتفِ فورد بمنصب نائب الرئيس والمصمم، بل سعى بدأب للسيطرة الكاملة على الشركة، رافعاً حصته من الأسهم تدريجياً حتى استحوذت العائلة عليها بالكامل في عام 1919. كان هدفه واضحاً منذ الإعلان الأول: “صناعة سيارة للاستخدام اليومي، تحظى بإعجاب الرجل والمرأة والطفل، وتتميز بالبساطة والسلامة”. لم تكن مجرد كلمات دعائية، بل كانت دستور عمل تجسد في “طراز تي” (Model T) الأسطوري.
بينما كانت السيارات تُعتبر “لعبة الأغنياء”، كسر فورد هذه القاعدة بعبقرية اقتصادية فذة. اعتمد استراتيجية خفض الأسعار لزيادة المبيعات، فهبط سعر السيارة من 825 دولاراً عام 1908 إلى 290 دولاراً فقط بحلول عام 1924، في وقت كان سعر الحصان الجيد يصل إلى 300 دولار! لم يكن هذا الانخفاض السحري ليحدث لولا ثورة “خط التجميع” التي أدخلها فورد عام 1913، مستلهماً نظريات الإدارة العلمية لفريدريك تايلور. بدلاً من أن يتحلق العمال حول السيارة لبنائها، جعل السيارة تمر أمامهم، ليقوم كل عامل بمهمة صغيرة محددة بدقة، مما رفع الإنتاجية بشكل جنوني وخفض التكاليف. وبحلول عام 1921، كانت شركة فورد تلتهم 61% من سوق السيارات الأمريكية، محولةً فورد من ميكانيكي مغمور إلى أسطورة حية. لكن هذه الشهرة الواسعة والنجاح الباهر كان لهما وجه آخر مظلم، وجه جذب انتباه رجل كان يخطط لإشعال العالم في الجهة الأخرى من المحيط، لتبدأ فصول الحكاية الأكثر إثارة للجدل.
في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وحين ظن العالم أن صفحات الحرب العالمية الثانية قد طُويت للأبد، عاد شبح الماضي ليقرع أبواب “ديربورن” بعنف. تحرك محامون يمثلون ضحايا الهولوكوست والناجين من معسكرات العمل القسري لنبش أرشيفات الشركات الكبرى، باحثين عن الحقيقة المدفونة تحت ركام نصف قرن من الصمت. لم تكن أصابع الاتهام موجهة لجنرالات الحرب هذه المرة، بل لعمالقة الاقتصاد الذين يُفترض أنهم قادوا العالم الحر للنصر. وتحت مجهر البحث، تكشفت حقائق صادمة حول الدور المزدوج الذي لعبته المؤسسات الصناعية الأمريكية، وعلى رأسها إمبراطورية “فورد” وشركة “جنرال موتورز”، في تغذية آلة الحرب التي سحقت أوروبا.

لطالما روجت شركات السيارات الأمريكية لنفسها بوصفها “ترسانة الديمقراطية” التي حولت خطوط إنتاجها لدعم الحلفاء وهزيمة هتلر، لكن الوثائق التي كشفت عنها صحيفة “واشنطن بوست” عام 1998 رسمت صورة مغايرة تماماً، صورة لشركات تحولت – بقصد أو بغير قصد – إلى “ترسانة للفاشية” أيضاً. فبحلول عام 1939، وعشية اندلاع الحرب، كانت شركتا “فورد” و”جنرال موتورز” تسيطران معاً على ما يقارب 70% من سوق السيارات في ألمانيا، وهو رقم يعكس هيمنة مطلقة على عصب النقل داخل الرايخ الثالث. وتشير الوثائق المكتشفة في الأرشيفين الألماني والأمريكي إلى واقع معقد؛ فبينما كانت الحكومة الأمريكية تحث مصانع الداخل على الاستعداد للحرب، وافق المديرون الأمريكيون لفروع هذه الشركات في ألمانيا على تحويل مصانعهم لخدمة الإنتاج العسكري النازي، في مفارقة تاريخية مذهلة.
لم يكن الأمر مجرد استمرار للأعمال التجارية في ظروف صعبة، بل تجاوز ذلك إلى دعم لوجستي مباشر. فقد اتهم تقرير للجيش الأمريكي، أعده المحقق “هنري شنايدر” في سبتمبر 1945، الفرع الألماني لشركة “فورد” (Ford-Werke) بأنه عمل كـ”ترسانة للنازية” بموافقة ضمنية من الشركة الأم في ديربورن. كانت الشاحنات التي تنقل الجنود الألمان لاجتياح الدول المجاورة تحمل بصمة الهندسة الأمريكية، حيث كان فرع فورد الألماني ثاني أكبر منتج للشاحنات للجيش الألماني بعد “جنرال موتورز”. ولم يقف الأمر عند حدود المركبات، بل كشفت التقارير عن صفقات مقايضة سمحت لألمانيا بالحصول على مواد خام إستراتيجية، ولا سيما المطاط، الذي كان شريان حياة للآلة العسكرية. حتى أن “ألبرت سبير”، مهندس التسلح النازي، نُقل عنه قوله إن هتلر لم يكن ليفكر في غزو بولندا لولا تكنولوجيا الوقود والمواد التي وفرتها الشركات الأمريكية الكبرى.

كان الموقف الشخصي لـ”هنري فورد” يلقي بظلاله الكثيفة على قرارات الشركة؛ فالرجل الذي لم يخفِ إعجابه بالنظام والانضباط الألماني، عارض بشدة دخول الولايات المتحدة الحرب في بداياتها. وتجلى هذا الانحياز في يونيو 1940، حين استخدم فورد شخصياً حق النقض (الفيتو) لمنع خطة وافقت عليها الحكومة الأمريكية لإنتاج محركات طائرات “رولز رويس” لصالح سلاح الجو الملكي البريطاني، في وقت كانت فيه بريطانيا تواجه وحدها جحيم الغارات الجوية الألمانية.
هذا التناغم بين فورد والنازية لم يكن وليد اللحظة أو المصادفة، بل تُوج باعتراف رسمي متبادل. ففي يوليو 1938، وبينما كانت طبول الحرب تقرع، قبل هنري فورد تقلد “وسام النسر الألماني الكبير” (Grand Cross of the German Eagle)، وهو أعلى وسام تمنحه ألمانيا النازية لشخصية أجنبية، في احتفال بمدينة ديربورن حضره القنصل الألماني. كان هذا الوسام بمثابة توثيق لرابطة دموية بين “العبقرية الصناعية” و”الجنون الأيديولوجي”، رابطة تعود جذورها إلى ما هو أعمق من المصالح الاقتصادية، وتضرب في عمق الأفكار التي شكلت رؤية الرجلين للعالم.
لم تكن الميداليات والأوسمة والتعاون الصناعي سوى قمة جبل الجليد، فما كان يجمع “هنري فورد” بالنظام النازي كان أعمق وأخطر من مجرد مصالح متبادلة؛ كانت رابطة فكرية نسجت خيوطها كلمات الكراهية التي عبرت المحيط لتجد صداها في قاعات البيرة بميونيخ. ففي عشرينيات القرن الماضي، وحين كانت ألمانيا تتخبط في ذل الهزيمة والبحث عن شماعة لتعليق إخفاقاتها، كان فورد في ديترويت يستخدم نفوذه الإعلامي لترويج نظريات المؤامرة. اشترى صحيفة محلية مغمورة تدعى “ديربورن إندبندنت”، وحولها إلى منصة عالمية لبث أفكاره المعادية للسامية، ناشراً سلسلة مقالات جُمعت لاحقاً في كتاب بعنوان “اليهودي العالمي” (The International Jew).
كان تأثير هذه الكتابات مدوياً، وتجاوز حدود الولايات المتحدة ليصل إلى يد شاب طموح يدعى “أدولف هتلر”. لم يكن هتلر مجرد قارئ عابر لمقالات فورد، بل كان تلميذاً نجيباً لها. يشير الباحثون، ومنهم المؤرخ “نورمان كوهن”، إلى أن كتابات فورد كانت السبب الرئيسي في الترويج لما يُعرف بـ”بروتوكولات حكماء صهيون” وإعطائها مصداقية زائفة. وفي كتابه المشؤوم “كفاحي”، لم يذكر هتلر اسم أي أمريكي بعبارات الثناء والتبجيل سوى هنري فورد، واصفاً إياه بـ”الرجل العظيم الذي استطاع وحده أن يحافظ على استقلاله الكامل في مواجهة اليهود”، معتبراً إياه حليفاً أيديولوجياً في معركته المزعومة. وهكذا، تحول صانع السيارات في نظر النازيين من رجل أعمال ناجح إلى “نبي” يبشر بنفس العقيدة التي ستحرق أوروبا لاحقاً.
لكن الرياح في أمريكا لم تكن تجري دائماً بما تشتهي سفن فورد. فمع تصاعد حدة المقالات، بدأت ردود الفعل الغاضبة تتشكل ككرة ثلج. لم يقف المجتمع اليهودي الأمريكي مكتوف الأيدي، وبدأت حملات المقاطعة تهدد العصب الحساس لإمبراطورية فورد: المبيعات. وكانت الضربة الأكثر طرافة وذكاءً تلك التي لوح بها أباطرة هوليوود؛ فقد هدد منتجو الأفلام السينمائية بتدمير صورة العلامة التجارية عبر استخدام سيارات “فورد طراز تي” حصرياً في مشاهد الحوادث والتحطم، لتصويرها كخردة غير آمنة أمام ملايين المشاهدين.
أدرك فورد، بذكائه التجاري البراغماتي، أن العناد الأيديولوجي قد يكلفه إمبراطوريته الصناعية. وفي يناير 1927، وبعد دعاوى قضائية وحصار إعلامي، رضخ “ملك السيارات” للأمر الواقع. أغلق صحيفته، وسحب كتبه من التداول، ونشر رسالة اعتذار طويلة ومذلة، تنصل فيها من تلك الكتابات وطلب الصفح من اليهود. ورغم أن الكثيرين شككوا في صدق توبته واعتبروها مناورة تجارية بحتة، إلا أن تلك الخطوة وضعت حداً للحملة العلنية، وإن ظل الإعجاب المتبادل بينه وبين زعماء الرايخ الثالث قائماً في الخفاء حتى اندلاع الحرب.
تُطوى صفحة حياة هنري فورد بوفاته عام 1947، تاركاً خلفه إرثاً مزدوجاً عصياً على التصنيف البسيط. فهو من جهة العبقري الذي حرر البشرية من قيود المسافات، ومكّن الطبقة العاملة من امتلاك الحلم الأمريكي، ووضع أسس الإنتاج الحديث التي نعيش بفضلها اليوم. ومن جهة أخرى، يظل ذلك الرجل الذي لوثت أفكاره صفحات التاريخ، وساهم قلمه -وربما مصانعه- في تغذية واحد من أكثر الأنظمة وحشية. إنها قصة تذكّرنا دائماً بأن العبقرية في مجال ما لا تعصم صاحبها من الانزلاق في متاهات الظلام الأخلاقي، وأن التاريخ لا يغفر، حتى لمن وضعوا العالم على عجلات.