
في عمق البادية، حيث يُقاس الرجال بذكرهم لا بما في أيديهم، عاش المُحلَّق مثقلاً باسمٍ أكبر من حاله. كان أبوه سيداً في قومه، يُعرف بالكرم حتى أفنى ماله في إطعام الضيف، ثم مات ولم يترك لابنه إلا سمعة طيبة، وثلاث بنات طال بهن الانتظار، وناقة واحدة هي آخر ما بقي من مال، وبُردين خلقين كان الأب يلبسهما في المحافل.
كان المُحلَّق يدرك أن الاسم وحده لا يصنع مستقبلاً، وأن الذكر إن لم يُدعَّم بفعلٍ ذوى مع الأيام.
في يوم قائظ، اضطربت مضارب الحي بخبر واحد:
الأعشى نزل قريباً منهم.
ولم يكن الأعشى رجلاً عادياً، بل شاعر العرب الذي إن مدح رفع، وإن هجا وضع. فتهافت الناس لإكرامه، هذا ينحر، وذاك يسرف، وكلٌ يطمع في بيت شعر يخلده.
أما المُحلَّق، فجلس في خبائه صامتاً، يعرف أن فقره اليوم ليس عيباً، لكن فوات الفرصة سيكون عاراً.
دخلت عليه عمته، وكانت امرأة ذات رأي ودهاء، فقالت:
“يا ابن أخي، إن الفرص لا تنتظر. بع ناقتك، وخذ زق خمر، وادفع معهما بُردي أبيك. إن شبع بطن الأعشى، وطاب مزاجه، ولبس ثياب أبيك، قال فيك شعراً يرفعك ويرفع أخواتك.”
تردد المُحلَّق، فالناقة حياته، ولكنه علم أن البقاء على القليل قد يكون نهاية لكل شيء. أبطأ في القرار حتى ارتحل الأعشى، فظن أن الأمر انتهى.
غير أن عمته قالت:
“الآن يبدأ الكرم.”
استدان المُحلَّق، وجهز الناقة والبُردين وزق الخمر، وأرسل غلاماً عجوزاً خلف الأعشى. ظل الغلام يتبعه من ماء إلى ماء، حتى أدركه في منفوحة، بداره.
وكان المجلس هناك كئيباً؛ طعام بلا لحم، وشراب رخيص، وفتيان يحيطون بالشاعر وقد غلبهم الجوع.
دخل الغلام وقال:
“أنا رسول المُحلَّق الكلابي. كان غائباً، فلما علم بمرورك كره أن يفوته شرف قراك، فأرسلني بهذه.”
نظر الأعشى إلى الناقة السمينة، وزق الخمر، والبُردين، وقال:
“ما هذا فعل محتاج، بل فعل رجل يعرف متى يُخاطر.”
نُحرت الناقة، وشُويت الكبد والسنام، وأكل القوم حتى شبعوا، وشرب الأعشى حتى طاب، ثم قام فلبس بُردي والد المُحلَّق، وأخذ ينظر إلى عِطفيه مزهواً. عندها تحرك الشعر في صدره، وسكت المجلس.
فقال:
أرِقْتُ وما هذا السُّهادُ المُؤرِّقُ
وما بيَ من سُقْمٍ وما بيَ مَعشَقُ
ثم مضى يمدح المُحلَّق وأهله، فقال:
نَفَى الذمَّ عن آلِ المُحلَّقِ جَفْنَةٌ
كَجابيةِ الشيخِ العراقيِّ تَفْهَقُ
تُشَبُّ لمقرورينِ يَصطَليانِها
وباتَ على النارِ النَّدى والمُحلَّقُ
ترى الجودَ يجري ظاهراً فوق وجهِه
كما زانَ متنَ الهندوانيِّ رونقُ
يداهُ يدا صدقٍ، فكفٌّ مُبيدةٌ
وكفٌّ إذا ما ضُنَّ بالمالِ تُنفِقُ
فلما فرغ، علم من حضر أن اسماً قد رُفع، وأن بيتاً قد كُتب له المجد.
خرجت القصيدة من منفوحة، وسارت بها الركبان، فما بقي مجلس إلا وتُليت فيه. ولم تمضِ سنة حتى خُطبت بنات المُحلَّق جميعاً، وسِيق لكل واحدة مائة ناقة مهراً.
عاد البيت عامراً، لا بالناقة التي ذهبت، بل بالكلمة التي بقيت.
وهكذا، لم تصنع المجد كثرة المال،
ولا طول البقاء، بل جرأة في ساعة فقر، وقصيدة لا تموت.
