
تبدأ فصول هذه المأساة من سيرة رجلٍ لم يجد في قوانين القبيلة ما يروض جموحه، هو البرّاض بن قيس الكناني، الذي عُرف بين العرب بفتكه واستهتاره بالدماء. لم تكن جناياته لتقف عند حد، حتى ضاق به أهلوه وذوو قرباه، فأعلنوا خلعه والتبرأ منه، ليغدو طريداً بلا ظهير. حمل البرّاض وزر نفسه قاصداً مكة، ودخل في حلفٍ مع حرب بن أمية لعله يجد مأمناً، لكن طبيعته القلقة لم تستقر في الحجاز، فغادرها مولياً وجهه شطر العراق، ليحط رحاله في بلاط النعمان بن المنذر، ملك الحيرة.
وفي مجلس الملك، حيث تُدار شؤون التجارة والسياسة، كان النعمان يُعد “اللطيمة” — وهي تجارته السنوية من الطيب والأقمشة — ليرسلها إلى سوق عُكاظ. التفت الملك إلى جلاسه سائلاً عمن يملك القوة والمنعة لحماية هذه القافلة حتى تبلغ وجهتها. كان البرّاض حاضراً، ومعه عُروة بن عُتْبة المعروف بالرِّحَّال. انتهز البرّاض الفرصة وقال: “أبيتَ اللعن، أنا أجيزها لك على كنانة”. لكن طموح الملك كان حماية شاملة لا تقتصر على قبيلة واحدة، فقال: “أريد من يجيزها على كنانة وقيس”.
هنا، تدخل عُروة الرحال، تدفعه ثقته المفرطة ومكانته الرفيعة، ونظر إلى البرّاض نظرة ازدراء قائلاً للملك: “أكلْبٌ خليعٌ يجيزها! أنا أجيزها لك على أهل الشيح والقيصوم من تهامة ونجد”، قاصداً بذلك سيادته على الجميع.
أضمر البرّاض الحقد في نفسه بعد أن نال عروة من كرامته أمام الملك، حين سأله البرّاض غاضباً: “وعلى كنانة تجيزها يا عروة؟” فرد عليه عروة بتحدٍ: “وعلى الناس كلهم”. انطلقت القافلة في حماية عروة، وخرج البرّاض يقتفي أثرها كالظل، يترصد لحظة الغدر. ورغم أن عروة كان يرى البرّاض يتبعه، إلا أن الكبرياء منعه من الحذر، فاستهان به ولم يتوقع منه شراً، حتى وصل إلى مأمنه بين قومه.
وفي تلك اللحظة الحاسمة، باغت البرّاض خصمه بمشهد غريب؛ إذ أخرج قداحه وجعل يستقسم بها، فسأله عروة بتهكم: “ماذا تفعل؟”، فأجابه البرّاض ببرود: “أستقسم في قتلك، أنتظر الإذن”. سخر عروة منه قائلاً: “همتك أضعف من ذلك”، فكانت تلك آخر كلماته، إذ عاجله البرّاض بضربة سيف أردته قتيلاً، وفر الحراس مذعورين، ليستولي البرّاض على القافلة ويسوقها نحو خيبر.
لم تنتهِ القصة هنا، فقد انطلق رجلان من قيس (غنوي وغطفاني) في إثر القاتل، وأدركاه في خيبر دون أن يعرفا ملامحه. وبدهاء الثعالب، استقبلهما البرّاض ورحب بهما، وعقل نياقهما، ثم سألهما عن شأنهما فعرف غايتهما. تظاهر بمساعدتهما وسأل: “أيكما أشجع؟”، فأشار الغطفاني إلى نفسه. انفرد به البرّاض وسار معه إلى خربة مهجورة زاعماً أن غريمه يختبئ فيها، وطلب منه أن يريه سيفه ليختبر جودته، فما إن ظفر بالسيف حتى قتل صاحبه به. عاد البرّاض إلى الغنوي وحده، وأوهمه أن صاحبه جبن عن مواجهة “البرّاض النائم”، فثار الغنوي لكرامته وطلب الذهاب بنفسه لقتله، فتبعه البرّاض إلى الخربة ذاتها، وألحقه بصاحبه قتيلاً.
أتم البرّاض خطته الدموية، وتخلص من ملاحقيه، ثم قاد العير محملة بالبضائع وسار بها إلى مكة، مسدلاً الستار على واحدة من أشهر قصص الفتك والدهاء في الجاهلية.
