سناب شات

قبيلة عتيبة النسب و التاريخ و الديار

26K مشاهدة

تُعد قبيلة عتيبة من أكبر القبائل العربية وأوسعها انتشاراً في شبه الجزيرة العربية، وقد رسخ اسمها في الوجدان والذاكرة الجمعية بوصفها واحدة من القبائل التي تركت بصمة واضحة في تاريخ المنطقة، سواء في مرحلة ما قبل تأسيس الدولة السعودية الحديثة أو خلال مسيرة التوحيد التي قادها الملك عبد العزيز آل سعود مطلع القرن العشرين. وتنتشر فروع القبيلة وأبناؤها اليوم في عدد من الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي تمثل موطنها الأصلي ومركز ثقلها التاريخي، إضافة إلى وجود لها في الكويت وقطر والبحرين والإمارات والعراق، مع روايات تشير إلى امتداد بعض أفرادها إلى بلدان عربية أخرى.

ويُطلق على القبيلة في موروثها وأدبياتها الشعبية لقب “الهيلا”، وهو لقب اشتهرت به وارتبط باسمها حتى صار علامة مميزة لها. أما من حيث الانتماء العرقي فعتيبة قبيلة عربية عدنانية، وأبناؤها مسلمون، وتقع ديارها التاريخية في امتداد جغرافي واسع يربط بين الحجاز ونجد في قلب الجزيرة العربية.

النسب والأصل

ترجع عتيبة في نسبها إلى الأصول العدنانية العريقة، إذ يُساق نسبها إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو ما يجعلها من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وفق ما تذكره المصادر النسبية المعتمدة لدى الباحثين في أنساب القبيلة.

غير أن مسألة تحديد الجد الأعلى الذي تتفرع منه القبيلة لم تكن محل اتفاق تام بين النسّابة، بل وردت فيها أكثر من رواية. فمن الباحثين من ذهب إلى أن أصلهم يعود إلى عتيبة بن كعب بن هوازن، عبر سلسلة نسب تمر بصالح بن شباب بن عبد الرحمن بن الهيثم بن أبي ذؤيب السعدي. وذهب آخرون إلى أنهم من ذرية عتيبة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن. والقاسم المشترك بين الروايتين أن القبيلة تنتمي في نهاية المطاف إلى هوازن، وهو الأصل الذي يجمع عليه أغلب من كتب في الموضوع، وإن اختلفت التفاصيل الدقيقة في حلقات النسب الوسطى.

ويعكس هذا الاختلاف طبيعة الكتابة في الأنساب العربية عموماً، حيث تتعدد المرويات وتختلف باختلاف المصادر والمراجع التي اعتمد عليها كل باحث، دون أن يخل ذلك بالأصل الجامع الذي تُردّ إليه القبيلة.

أقسام القبيلة بحسب النسب

تنقسم عتيبة من حيث البناء القبلي إلى جذمين كبيرين تتفرع منهما بطون وأفخاذ وعشائر لا تُحصى كثرة، وهذان الجذمان هما “برقا” و”روق”. ويمثل هذا التقسيم الهيكل الأساسي الذي تُبنى عليه معرفة فروع القبيلة وتفرعاتها.

القسم الأول: برقا

يُنسب أبناء هذا القسم بلفظ “برقاوي”، وينقسم بدوره إلى فرعين رئيسيين:

الفرع الأول هو أولاد ناصر ويُعرفون بـ”شمله”، ويندرج تحتهم عدد من البطون، من أبرزها النفعة، والروسان، والمقطة، والوقدان، والثبتة.

أما الفرع الثاني فهو أولاد منصور، وتتفرع منه بطون عدة، منها الدعاجين، والعصمة، والدغالبة، والشيابين، والقثمة.

القسم الثاني: روق

ويُنسب أبناؤه بلفظ “روقي”، وهو كذلك ينقسم إلى فرعين كبيرين:

الفرع الأول هو المزاحمة، ويُنسب أبناؤه بلفظ “مزحمي”، ويتشعب إلى فروع متعددة من أبرزها العضيان، والغبيات، والمراشدة، والسياحين، وذوي ثبيت. ويندرج تحت ذوي ثبيت عدد من العشائر منها الرباعين، الذين يُعدّون من أمراء الروقة، وأصلهم من الثبتة. كما يضم هذا الفرع جماعات أخرى مثل ذوي عالي، والجذعان، وذوي عطية، والمغايرة، والمورقة، والمهادلة، والغنانيم، والفراهدة، والحبردية، والخراريص، والسلسة، والقساسمة.

أما الفرع الثاني فهو طلحة، ويُطلق على أبنائه اسم “الطلوح”، وهم أربعة عشر فخذاً، وهي: ذوي زراق، والذيبة، والحفاة، والكراشمة، والسمرة، والدلابحة، والحماميد، والحناتيش، والمغايبة، والغربية، والغضابين، والحزمان، والأساعدة، والعوازم.

ومن خلال هذا العرض يتضح أن البناء القبلي لعتيبة بناء متشعب ومتدرج، يبدأ من الجذمين الكبيرين ثم ينحدر إلى فروع فأفخاذ فعشائر، وهو ما يفسر اتساع القبيلة وانتشار أبنائها في رقعة جغرافية واسعة.

أقسام عتيبة بحسب الديار

إلى جانب التقسيم القائم على النسب، يمكن النظر إلى القبيلة من زاوية أخرى تتعلق بمواطن السكن والديار، إذ تنقسم عتيبة من هذه الجهة إلى قسمين رئيسيين.

القسم الأول هم بنو سعد، وتقع ديارهم في منطقة السراة جنوب الطائف، ومن هؤلاء بادية تسكن شمال الطائف وشرقه.

أما القسم الثاني فهم عتيبة أهل نجد، وكانوا في السابق يسكنون شرق الطائف وشماله، ويُعرفون بأهل الوديان في مقابل أهل السراة، وقد انتقل معظمهم لاحقاً إلى نجد واستقروا فيها، حتى صارت نجد مركز ثقلهم الرئيسي في العصور المتأخرة.

التاريخ المبكر والديار والهجر

لمحة من تاريخ القبيلة وديارها

من اللافت في تاريخ عتيبة أن منازلها لم تشهد تغيراً جوهرياً عبر القرون المتعاقبة، فقد ظلت ديارها مستقرة في امتدادها العام بين وسط نجد ومشارف مكة المكرمة. ويشهد على ذلك أن العلامة جلال الدين السيوطي، حين وصف منازل القبيلة في القرن التاسع الهجري أو مطلع القرن العاشر، ذكر أنها قبيلة عربية مشهورة تسكن وسط أرض نجد إلى ما يقارب مكة المشرفة، وأشار إلى أن العامة كانوا ينسبون إليها بلفظ “عتيبي”، وهو وصف يقترب كثيراً من واقع منازلها في العصر الحديث.

وفي المصادر المعاصرة، جرى تحديد ديار القبيلة بدقة أكبر، فحُصرت ما بين أواسط نجد وأطراف مكة المكرمة. ومن أبرز من كتب في ذلك الباحث عاتق البلادي في معجمه الجغرافي، حيث وصف عتيبة بأنها من القبائل المنتشرة في شرق الحجاز ونجد، وذكر أن ديارها كانت تمتد في حرة الحجاز شمال مكة وتتجه شرقاً وجنوباً نحو الطائف وما حولها. ثم بيّن أن ديارها في العصر الحديث تمتد من رهاط شمال مكة غرباً إلى قرية الغطغط غرب الرياض شرقاً، وأن القبيلة كانت تعتمد في معيشتها على رعي الأغنام والإبل.

أما الحدود التفصيلية لهذه الديار فكانت تأخذ في جنوبها شكل قوس حول الطائف من الشمال والجنوب، ثم تتجه على يمين الطرق النجدية إلى جنوب الموية وعفيف والشعراء وصولاً إلى جبل اليمامة، بينما تبدأ في الشمال من الحرة جنوب حاذة، ثم تمتد شمال حرة كشب فضرية إلى الوشم. ويضيف البلادي إشارة تاريخية مهمة، مفادها أن عتيبة كانت تساند أشراف مكة حيناً وتزعجهم حيناً آخر، وأنها كانت من خاصة عبد الله بن الحسين وأصفيائه، وهو ما يكشف عن الدور السياسي والعسكري الذي لعبته القبيلة في علاقتها بحكم الحجاز.

ظاهرة الهجر وتوطين القبيلة

يمثل مشروع “الهجر” أحد أهم التحولات في تاريخ عتيبة وغيرها من قبائل الجزيرة العربية، وهو المشروع الذي تبنّاه الملك عبد العزيز آل سعود في إطار سعيه لتوطين البادية وتحويلها من حياة الترحال إلى الاستقرار. وقد ارتبطت هذه الهجر بحركة “الإخوان” الدينية والعسكرية، وصارت كل هجرة تقريباً مرتبطة بقبيلة بعينها أو بطن من بطونها. وفيما يلي عرض لأبرز هجر عتيبة وأهمها تاريخياً.

هجرة الغطغط

تُعد الغطغط من أقدم هجر عتيبة وأهم هجر الإخوان وأكثرها إعداداً للمقاتلين والجيوش. وقد بلغت هذه الهجرة ذروة شهرتها في عهد شيخها سلطان بن بجاد بن حميد، إذ كان يخرج منها نحو خمسة آلاف مقاتل للجهاد، وهو رقم يكشف عن ثقلها العسكري الكبير في تلك المرحلة. غير أن مصيرها انتهى إلى الدمار بعد معركة السبلة، حتى إن أخشاب بيوتها نُقلت إلى بلدة ضرما، ولم يبقَ منها سوى الهياكل، وفق ما وصفه أحد الرحالة الذين زاروها. وظلت على هذا الحال إلى أن استأذن أحد وجهائها الملك عبد العزيز في إعادة سكناها، فسمح ببناء بلدة جديدة قريبة من القديمة.

ومن خصوصيات الغطغط أنها الهجرة الوحيدة التي بُنيت قرب تجمع حضري، خلافاً للعادة التي جرت أن تكون الهجر بعيدة عن المراكز الحضرية. وتقع الغطغط قرب محافظة المزاحمية باتجاه الغرب، بالقرب من طريق الرياض الطائف السريع.

هجرة الحفيرة

كانت الحفيرة في القديم مورد ماء جاهلياً ترده البادية، وتُعد أول هجرة تأسست لقبيلة الدعاجين، ومن أقدم هجر عتيبة على الإطلاق. ويرجع تأسيسها إلى الأمير مناحي بن خالد بن حشر الهيضل نحو عام 1338هـ، وبعد وفاته عام 1358هـ تولى الإمارة ابنه سجدي، ثم تعاقب على إمارتها أبناؤه وأحفاده من بعده. وتتميز الحفيرة بموقعها المتوسط في منطقة الرياض، إذ لا تبعد عن محافظة الدوادمي سوى نحو 48 كيلومتراً، وعن القويعية نحو 80 كيلومتراً، بينما تبعد عن العاصمة الرياض قرابة 200 كيلومتر. كما يوجد فيها بعض مواقع التعدين في منطقة الردينيات التابعة لها.

هجرة الداهنة

تأسست الداهنة عام 1331هـ حين نزلها الشيخ عبد الرحمن بن ربيعان ومعه بعض قبائل عتيبة، ثم تولى الإمارة بعده الشيخ عمر بن ربيعان، غير أنه انتقل إلى نفي بأمر من الملك عبد العزيز، ولم يبقَ في الداهنة سوى مجموعة من ذوي ثبيت بعد موقعة السبلة. وقد تعاقب على إمارة الداهنة عدد من أبناء أسرة الحليس، وما زالت إمارتها فيهم إلى الوقت الحاضر.

وتزخر الداهنة بعدد من الآثار، منها بيوت الإخوان التي ما زالت بعض معالمها قائمة، والجامع القديم الذي شهد انطلاقة نحو ألفي مقاتل بقيادة الشيخ عمر بن عبد الرحمن بن ربيعان للمشاركة في السبلة عام 1347هـ. كما توجد فيها صخرة راشد الخلاوي في وادي النظيم، وعليها كتابات ونقوش تاريخية، إضافة إلى عين ماء جارية على مدار العام.

هجرة ساجر

تقع ساجر في إقليم السر إلى الشمال الشرقي من محافظة الدوادمي وتبعد عنها نحو 120 كيلومتراً. وقد تأسست على يد فيحان بن ناصر بن براز بن محيا عام 1332هـ بأمر من الملك عبد العزيز، وتعاقب عليها بعده عدد من أمراء أسرة المحيا الذين اشتهروا بمشاركتهم في كثير من الفتوحات والمعارك مع الملك عبد العزيز. وتُعد ساجر من أكبر هجر الإخوان، إذ كان يخرج منها نحو ألف مقاتل، كما تُعد اليوم من أكبر مدن قبيلة عتيبة. ويسكنها خليط من بطون القبيلة، منهم الحناتيش والحزمان والغربية والكراشمة والغضابين والأساعدة والدغالبة والنفعة والمراشدة والحفاة والمغايبة والغبيات والثبتان، إلى جانب عوائل متحضرة وقبائل أخرى.

هجرة سنام

أسسها الشيخ سلطان بن مشعان أبا العلا سنة 1332هـ، وهي من هجر الإخوان البارزة، وكان يخرج منها نحو ألف مقاتل. وقد سُميت بهذا الاسم لأن موقعها يشبه سنام الجمل، إذ تقع بين واديين، الشمالي يُسمى الدمثة والجنوبي وادي العرجان. وتقع سنام في الجهة الغربية من محافظة القويعية وتبعد عنها نحو 70 كيلومتراً. وقد كان للوائها بقيادة سلطان بن مشعان أبا العلا دور محوري في معركة تربة عام 1337هـ، ثم في الفتوحات التي امتدت إلى جدة والطائف ومكة.

هجرة عروى

تقع عروى في منطقة الرياض وفيها مركز إداري يتبع محافظة الدوادمي، وتبعد عنها نحو 99 كيلومتراً جنوباً. أسسها الشيخ سلطان بن محمد بن هندي بن حميد والشيخ جهجاه بن بجاد بن حميد العتيبي عام 1337هـ، وتعاقب على إمارتها عدد من أبناء أسرة حميد. ويسكنها بطن المقطة وقليل من قبائل عتيبة الأخرى. وعروى موضع قديم معروف منذ الجاهلية، ويطل عليها جبل كبير يُسمى عروان.

هجرة نفي

تقع نفي شمال محافظة الدوادمي وتبعد عنها نحو 90 كيلومتراً، كما تبعد عن محافظة الرس نحو 100 كيلومتر جنوباً. سكنتها عدة قبائل، ثم استوطنتها باهلة برئاسة الأمير عبد الله بن سبيل بأمر من الملك عبد العزيز، ثم نزلها الشيخ تركي بن مارق الضيط في حركة الإخوان بقبائل مزحم، غير أنه انتهى به الأمر إلى السجن بعد معركة السبلة. وتأسست نفي نحو عام 1347هـ. ومن أبرز شخصياتها الشيخ عمر بن عبد الرحمن بن تركي بن سلطان بن ربيعان، أحد أشهر شيوخ عتيبة، الذي شارك في كثير من الغزوات والفتوحات مع الملك عبد العزيز، ومنها الليث والرغامة والسبلة ونجران ووضاخ وجبلة، وبقي أميراً على بادية نفي حتى وفاته عام 1400هـ، فخلفه ابنه الشيخ عبد الله. وتُعد نفي من المدن الكبيرة التي تكتمل فيها الدوائر الحكومية، ويسكنها الثبتان والغبيات والعضيان والمراشدة، إضافة إلى باهلة والرشايدة والعوازم.

هجرة حلبان

تُعد حلبان من أقدم بلدان نجد، إذ سكنتها قبائل عربية كثيرة في الجاهلية والإسلام. ويُقال إن تسميتها جاءت لأن الإبل والأغنام إذا رعت في هذه المنطقة امتلأت ضروعها بالحليب. وتقع حلبان غرب منطقة الرياض على طريق الرياض مكة وتبعد عن الرياض نحو 290 كيلومتراً، وتتبع إدارياً محافظة القويعية، ويتبع لمركزها عدد كبير من المراكز والهجر. وتعاقب على إمارتها عدد من أبناء أسرة فهيد. والغالبية العظمى من سكانها من قبيلة الشيابين، إلى جانب قبائل عتيبة الأخرى وبعض العوائل المتحضرة.

هجرة الحيد

تأسست هذه الهجرة عام 1343هـ على يد ناصر بن جرمان بن محيا وفلاح بن سداح بن محيا. وقد كان فلاح أميراً عليها أثناء معركة السبلة، ثم تعاقب عليها عدد من أمراء أسرة المحيا. وتقع الحيد على بُعد نحو 110 كيلومترات شمال غرب محافظة الدوادمي، وسُميت نسبة إلى سناف الحيد. ويسكنها الحناتيش وبعض القبائل الأخرى مثل العضيان والدلابحة والغبيات من الروقة، إضافة إلى أسرة المجماج من بني تميم، وهم أسرة الشاعر المعروف فهيد المجماج.

بقية الهجر وأبرز المعارك والتاريخ الحديث

هجر أخرى متفرقة

إلى جانب الهجر الكبرى السابقة، تنتشر لعتيبة هجر عديدة أخرى تتوزع في مناطق نجد المختلفة، ولكل منها قصة تأسيس وأمراء وسكان. فهجرة الروضة أسسها ماجد بن ضاوي بن فهيد في منطقة العرض مع بدايات تأسيس الهجر سنة 1337هـ، ويسكنها قبيلة الشيابين إلى جانب قبائل أخرى. أما هجرة عسيلة فتقع إلى الشمال الشرقي من الدوادمي وتبعد عنها نحو 95 كيلومتراً، وتأسست نحو عام 1334هـ، ومن أشهر أمرائها نافل بن طويق الحافي وأسرة التوم.

وتقع هجرة عرجاء شمال الدوادمي على بُعد نحو 28 كيلومتراً، وقد أسسها عدد من الحماميد عام 1337هـ، وكان أول أمير لها قطيم الحبيل، وتعاقب على إمارتها أبناؤه وأحفاده. أما هجرة مصدة فتقع شمال الدوادمي على بُعد نحو 10 كيلومترات، وتأسست عام 1345هـ على يد الشيخ خالد بن جامع، وتعاقب عليها أمراء من أسرة الجامع، وقد شارك من أهلها سبعة عشر فارساً من الروسان في حرب اليمن عام 1352هـ مع الأمير عبد العزيز بن مساعد.

وتقع هجرة الجمانية شرق عفيف على الطريق القديم بين عفيف والرياض، وأسسها الشيخ نايف بن مارق الضيط نحو عام 1348هـ، وأسرة الضيط من أشهر أمراء عتيبة. أما هجرة اللبيب فمن أوائل الهجر التي أُنشئت في بداية حكم الملك عبد العزيز، وقد أُسست بأمر منه للشيخ عبد المحسن بن بدر بن مرزوق الهيضل ومن معه من الهياضلة والدعاجين وبطون أخرى من برقا، وكانت من أهم الهجر التي شارك أهلها مع الملك عبد العزيز.

ومن الهجر كذلك عريفجان، وهي ماء قديم عذب يقع في هضاب المخامر، وتبعد عن نفي نحو 30 كيلومتراً. وقد ورد ذكر هذا الماء عند الأصفهاني باسم “عرفجا”، ونظم فيه الشعراء قديماً وحديثاً، ومنهم الشاعر محمد بن بليهد ويزيد بن الطثرية. وقد آلت إمارتها إلى أسرة الشغار الدماسي بعد خلاف وقع عام 1346هـ، ويغلب على سكانها الدماسين ومعهم الأساعدة. وتكتمل فيها كثير من الخدمات الحكومية والتعليمية والصحية.

وهناك أيضاً هجرة أبو جلال التي أسسها محماس بن محمد بن ناصر الشغار عام 1344هـ، وتقع قرب جبال المخامر في الجهة الشمالية الغربية للدوادمي، ويسكنها الدماسين من الروقة وبعض العضيان والغبيات. وهجرة القرارة التي تأسست عام 1347هـ على يد الشيخ سلطان بن مجاهد أبو سنون، وأول من سكنها الحبردية من ذوي عطية من المزاحمة. وهجرة الرويضة وهي أول هجرة للدغالبة من برقا، أسسها جمل بن محمد المهري شيخ الدغالبة. وأخيراً منطقة الجمش التي تقع شمال غرب الدوادمي على الطريق الواصل بين القصيم ومكة، ويسكنها عدد من قبائل روق مثل الدلابحة والحزمان والغبيات والعوازم والغضابين والحناتيش والحماميد والكراشمة والمراشدة والعضيان.

ويتبين من هذا الاستعراض الواسع لهجر عتيبة حجم الانتشار الجغرافي للقبيلة في وسط نجد وغربها، وكثافة حضورها في محيط محافظة الدوادمي والقويعية والمزاحمية وعفيف، وهو ما يعكس مكانتها العددية والاجتماعية.

أبرز معارك القبيلة

لقبيلة عتيبة سجل حافل بالمعارك والوقعات والمناخات، بعضها مع قبيلة منفردة وبعضها مع تحالفات من القبائل. ومن المفيد هنا التمييز بين المصطلحات التي استخدمها الموروث القبلي، فـ”المناخ” يعني موضع إناخة الإبل، ويُطلق على المواجهات التي تمتد زمناً طويلاً قد يصل إلى شهور، وكثرة المناخات في تاريخ القبيلة دليل على قوتها. أما “الوقعة” أو “المعركة” فتكون مواجهة بين طرفين في وقت واحد.

العلاقة بأشراف مكة والدولة العثمانية

تكشف المصادر التاريخية أن علاقة عتيبة بحكام المنطقة كانت متقلبة بين التحالف والصراع. فبحسب ابن فهد المكي، هاجم شريف مكة محمد بن بركات القبيلة في شرق الطائف عام 1470م. ومع توسع الدولة العثمانية في القرن السادس عشر وسيطرتها على سواحل البحر الأحمر والخليج، ظلت سلطتها على الداخل اسمية تتراجع تدريجياً.

وفي القرن الثامن عشر، شهدت وسط نجد صراعات قبلية واسعة على المراعي، حيث خاضت قبيلة مطير بمساندة قحطان حروباً ضد عنزة، ثم حلّت عتيبة محل مطير وقحطان لتصبح من أكبر قبائل وسط نجد. وفي أواخر القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر، كانت عتيبة وحرب طرفين متقابلين في الصراع الممتد بين أشراف مكة وأسرتي ابن رشيد وابن سعود على نجد.

ويعكس تاريخ القبيلة في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين طبيعة هذه الحروب، إذ كان المتحاربون يسعون دائماً لكسب دعمها. ففي عام 1816م هُزمت الدولة السعودية الأولى على يد العثمانيين، وحاول إبراهيم بن محمد علي استمالة عتيبة وقبائل من عنزة ضد عبد الله بن سعود. وبين عامي 1842 و1872م كانت تسع قبائل، من بينها عتيبة، في حالة حرب في نجد. وفي عام 1872م هاجم زعيم عتيبة مسلط بن ربيعان المستوطنات الغربية في الرياض، فرد عليه سعود بن فيصل بغارة انتقامية أُصيب فيها بجروح بالغة. وفي عامي 1881 و1882م أغارت عتيبة على معسكرات قبائل حرب التابعة لابن رشيد، ثم هاجمت ابن رشيد دون نجاح عام 1883م. وفي عام 1897م انضم بعض أفراد آل سعود إلى الشريف عون الرفيق في حملات ضد ابن رشيد بمساعدة عتيبة.

القبيلة في مطلع القرن العشرين وحركة الإخوان

مع مطلع القرن العشرين، كانت الجزيرة العربية موزعة بين نفوذ عثماني متراجع، وزعماء قبائل في نجد، وشريف مكة في الحجاز. وقد تعاونت عتيبة مع آل سعود في نجد، لكنها كانت تنحاز أحياناً إلى أشراف مكة الذين كانوا يلجؤون إليها وقت الشدائد.

وخلال الحرب العالمية الأولى عام 1915م، بدأ عبد العزيز آل سعود مشروعاً طموحاً لتوطين القبائل البدوية في أراضيه، معتمداً على نشر التعاليم الدينية بينها. وفي عام 1916م قاد الشريف الحسين بن علي بدعم بريطاني ثورة ضد العثمانيين، وأدى انتصار الحلفاء في الحرب إلى نهاية السيطرة العثمانية على الجزيرة.

وفي هذا الإطار بدأ عبد العزيز إنشاء المستوطنات المعروفة بـ”الهجر”، وكان من أبرز من تبنّى هذا المشروع من عتيبة الزعيم سلطان بن بجاد العتيبي. ورافق ذلك ظهور حركة “إخوان من أطاع الله” بوصفها حركة دينية وعسكرية وسياسية. وقد أُنشئت أولى المستوطنات وأنجحها عام 1912م على يد قبيلة مطير، ثم تبعتها مستوطنة لقبيلة عتيبة. وبفعل الصراع مع آل رشيد في حائل والأشراف في مكة، توسعت عملية الاستيطان حتى بلغت نحو 130 مستعمرة في أنحاء الجزيرة.

ووفق القوائم التي جمعها الباحثان أوبنهايم وكاسكيل، كان لقبيلة عتيبة 19 مستوطنة، وهو رقم يضعها في مقدمة القبائل من حيث عدد الهجر بعد قبيلة حرب التي كان لها 27 مستوطنة. وقد جُنّد من عتيبة في حركة الإخوان قادة بارزون مثل سلطان بن بجاد وعقاب بن محيا، ونُشروا في فتوحات شملت الأحساء وحائل والباحة وجيزان وعسير والطائف ومكة وجدة، وكان لهم إسهام كبير في السيطرة على الحجاز.

معركة السبلة وانقسام القبيلة

مع توالي الانتصارات، استاء بعض قادة الإخوان من سياسات بدت لهم منحازة إلى التحديث وزيادة حضور الأجانب، فانقلب بعضهم على ابن سعود. وفي ديسمبر 1928م انضم سلطان بن بجاد إلى زعماء قبليين آخرين في الثورة. غير أن الثورة كانت محكومة بالفشل حين اختار فصيل كبير من عتيبة، وهم الروقة بقيادة عمر بن ربيعان، الولاء للملك عبد العزيز. وقاد عقاب بن محيا قبيلته لمساندة الملك والقضاء على التمرد.

وفي التاسع والعشرين من مارس 1929م، قُمعت الثورة في معركة السبلة. وأعقبتها مواجهة أخرى بين فرعي القبيلة: برقا والروقة، إذ فرّ فرع برقا المتمرد بقيادة سلطان بن بجاد، وهُزم أحد قادتهم وأُسر في جبالة على يد عمر بن ربيعان الروقي وأنصاره الموالين للملك، ثم أُسر ابن بجاد لاحقاً. وفي عام 1930م جرى القضاء النهائي على تمرد الإخوان، ودُمرت بعض المستوطنات بالكامل. ثم أنشأ الملك نواة جيش نظامي حديث أسهم في إحلال الأمن. وفي الثالث والعشرين من سبتمبر 1932م، أُعلن تأسيس المملكة العربية السعودية في توحيد ناجح لجزء كبير من الجزيرة العربية.

القبيلة في العهد الحديث

في النصف الثاني من القرن العشرين، حظي الملك فيصل آل سعود بدعم قوي من عتيبة، لا سيما في فترة ولايته للعهد بين عامي 1953 و1964م. وتُروى في هذا السياق حادثة طريفة، حين نشب نزاع بين عتيبة ومطير على أرض قرب الطائف، فشكّلت الحكومة لجنة لمنع القبيلتين من احتلال الأرض حتى تُحل المشكلة، وذهب فيصل بنفسه إلى موضع النزاع، فالتقى راعياً من عتيبة وأعطاه قصيدة ليحملها إلى قومه، فحُلّت المشكلة بعد ذلك بوقت قصير. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، التحق كثير من أبناء عتيبة بالقوات المسلحة السعودية، وخاصة الحرس الوطني.

حادثة الاستيلاء على المسجد الحرام

من الأحداث البارزة المرتبطة باسم القبيلة في التاريخ المعاصر حادثة الاستيلاء على المسجد الحرام، حين أقدم جهيمان العتيبي وصهره محمد عبد الله القحطاني — الذي ادّعى أنه المهدي — ومعهما مئات الأتباع على احتلال المسجد الحرام في مكة في العشرين من نوفمبر 1979م. وكان بين المتمردين عناصر من جنسيات مختلفة، غير أن أغلبهم كانوا من أفراد قبيلة عتيبة السعوديين. واستمرت الأزمة حتى الرابع من ديسمبر، وأسفرت عن مقتل عدد من الرهائن المدنيين ورجال الأمن ومعظم المتمردين، ومنهم القحطاني. وقُبض على جهيمان ونحو سبعة وستين من رفاقه الناجين ونُفّذ فيهم حكم الإعدام علناً.

خاتمة

من خلال هذا العرض الشامل يتضح أن قبيلة عتيبة ليست مجرد كيان قبلي عابر، بل قبيلة عريقة ذات جذور عدنانية ضاربة في القدم، وبناء اجتماعي متشعب يضم جذمي برقا وروق وما يتفرع عنهما من بطون وأفخاذ لا تُحصى. كما يتضح أن ديارها ظلت مستقرة عبر القرون بين وسط نجد ومشارف مكة، وأن حضورها التاريخي لم يقتصر على البُعد الاجتماعي بل امتد إلى الأدوار السياسية والعسكرية الكبرى، بدءاً من علاقتها المتقلبة بأشراف مكة والدولة العثمانية، مروراً بدورها المحوري في حركة الإخوان وتوطين الهجر، وصولاً إلى مساهمتها في تأسيس الدولة السعودية الحديثة واندماج أبنائها في مؤسساتها العسكرية والمدنية. وهكذا تبقى عتيبة شاهدة على فصل مهم من فصول تاريخ الجزيرة العربية في عصورها المتأخرة.

- اعلان -
المصادر -ويكيبيديا
شارك هذا المنشور