
في خريف العمر، وبعد أن أسدل العمى ستائره على عيني “حسان بن ثابت”، شاعر العرب والإسلام، وجد نفسه أسير الظلمة والحاجة إلى دليل. يروي “خارِجة بن زيد” تفاصيل تلك المرحلة، واصفاً مأدبة جمعته بالشاعر العجوز. كان حسان حاضراً بجسده، غائباً ببصره، يعتمد كلياً على ابنه “عبد الرحمن”.
كانت مأساة الشيخوخة تتجلى في أدق التفاصيل؛ فإذا وُضع الطعام، همس حسان لابنه سائلاً: “أطعام يدٍ أم يدين؟”. سؤال بسيط يختزل ضعف الإنسان، فإن كان ثريداً أكل بيد واحدة، وإن كان شواءً ولحماً يحتاج للنهش، استعد بكلتا يديه.
الحنين الذي أيقظته الأوتار
انفضت الموائد، وبدأت طقوس السمر. دخلت جاريتان، “رائقة” و”عزّة”، وبيد كل منهما “مِزهر”. وما إن داعبت أناملهما الأوتار، وانطلق صوتهما يشدو بشعر حسان القديم عن منازل “جِلّق” والبلقاء في الشام، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.
تحول العجوز الضرير إلى كتلة من المشاعر؛ انهمرت الدموع من عينيه اللتين لم تعودا تريان النور، لكنهما رأتا الماضي بوضوح. كان يتمايل طرباً وحزناً، ويقول: “قد أراني بها سميعاً بصيراً”. كان المشهد مؤثراً لدرجة أن ابنه عبد الرحمن كان يغمز الجاريتين سراً لتواصلا الغناء كلما توقفتا، رغبة منه في رؤية أبيه يستعيد روحه، وإن كان ثمن ذلك دموعه.
بذخ “آل جفنة” وأخلاق الملوك
عاد حسان إلى بيته، لكن روحه بقيت هائمة في ديار الغساسنة. تمدد على فراشه مستدعياً شريط ذكرياته مع الملك “جَبَلَة بن الأيْهَم”. اعتدل في جلسته وقال لمن حوله، وكأنه يزيح الغبار عن لوحة فنية عتيقة:
“لقد أيقظت فيّ الجاريتان زمناً جميلاً.. تذكرت مجالس جبلة، حيث الفخامة التي لا تُضاهى. كان مجلسه يضم عشر قيان؛ خمس روميات يعزفن على (البرابط) بلغتهن، وخمس عراقيات يغنين غناء الحيرة، والكل في حضرته مكرم”.
أخذ حسان يسهب في وصف “الإتيكيت” الملكي لآل جفنة:
“كان مجلس الشراب بستاناً من العطور؛ يُفرش بالآس والياسمين، ويُطحن المسك والعنبر ليوضع في آنية الذهب والفضة. لم يكن البرد يجرؤ على الاقتراب من ضيوفه، ففي الشتاء يوقد البخور لتدفئة الجو، وتوزع فراء (الفَنَك) الثمينة. وفي الصيف، تُقدم لهم أكسية خفيفة تليق بحرارة الجو”.
المفارقة المؤلمة: جاهلية راقية وإسلام طائش
لكن حسان لم يكتفِ بسرد مظاهر الترف، بل ركز على ما هو أعمق؛ “أخلاق الرجال”. قال بحسرة:
“والله ما جالسته يوماً إلا وكساني ثيابه، وما سمعت منه كلمة نابية (خنا) ولا رأيت منه عربدة السكارى، رغم أنه كان مشركاً ونحن في الجاهلية”.
ثم التفت حسان بن ثابت إلى جلاسه من أبناء جيله الجديد، موجهاً لهم نقداً لاذعاً يحمل مفارقة عجيبة؛ كيف كان المشركون أكثر انضباطاً في شربهم للخمر من بعض المسلمين في شربهم للنبيذ!
قال معاتباً: “جاء الإسلام فطهرنا وتركنا الخمر.. أما أنتم اليوم، فتشربون نبيذ التمر والرطب، فلا يكاد الواحد منكم ينهي قدحه الثالث حتى يطيش عقله، ويذهب وقاره، ويضيع دينه.. ألا تعتبرون من أخلاق الرجال؟!”.
