كتاب أصول الخيل العربية وثيقة نادرة عن قبائل نجد وخيلها
من أهم المصادر التي وثّقت أخبار قبائل نجد وأيامها وخيلها وفرسانها في القرن التاسع عشر الميلادي كتاب “أصول الخيل العربية”، وهو كتاب أُلِّف قبل سنة ١٢٦٩هـ (قبل سنة ١٨٥٢م). ويصفه الباحثون بأنه كتاب جليل القدر، عظيم القيمة، لما حواه من أخبار وفوائد كثيرة عن القبائل والمنازل والأعلام والأيام التي لم يوردها غيره.
الدافع وراء تأليف الكتاب
تعود قصة الكتاب إلى عباس باشا الأول، والي مصر الذي تولّى الحكم في آخر سنة ١٢٦٤هـ (١٨٤٨م). وكان عباس معروفاً بشغفه الشديد بالخيل العربية الأصيلة، وحرصه على معرفة أصولها وتوثيق أنسابها. هذا الشغف دفعه إلى البحث عن أصول الخيل التي وصلت إليه، ومنها خيل أُهديت إليه من الإمام فيصل بن تركي بعد عودته من مصر إلى نجد سنة ١٢٥٩هـ (١٨٤٣م).
رحلة الباحثين إلى نجد
لتحقيق هذا الهدف، أرسل عباس باشا جماعة من الباحثين المصريين إلى جزيرة العرب للبحث عن أصول الخيل. وحين وصلوا إلى نجد، سهّل لهم الإمام فيصل بن تركي التنقّل في أطرافها والتجوال في أنحائها والاتصال بقبائلها ومشافهة رجالها.
أخذ الباحثون يجمعون ويكتبون كل ما يصل إليهم من أخبار الخيل والقبائل، حتى جمعوا مادة غزيرة ووفيرة أصبحت هي أصل الكتاب. ولم تقتصر هذه المادة على أصول الخيل فحسب، بل شملت أخباراً عن القبائل ومنازلها وفرسانها وأيامها، وهو ما رفع من قيمة الكتاب التاريخية.
إخراج الكتاب وترتيبه
بعد عودة الباحثين إلى مصر، أسلم عباس باشا المادة الخام إلى كاتبه وأديبه علي الدرويش، وطلب إليه أن يكتب مقدمة الكتاب (خطبته) وأن يهذّبه ويرتّبه ويقسّمه إلى أبواب. فأنجز الدرويش هذه المهمة، وفرغ من العمل سنة ١٢٦٩هـ.
وجاء الكتاب في ٥١٧ صفحة، مقسّماً إلى مقدمة وتنبيهات وأحد عشر باباً، يتناول أصول الخيل العربية وأنسابها، وما يتّصل بها من أخبار القبائل ومنازلها وفرسانها.
عناية الباحثين بالكتاب عبر العصور
حظي الكتاب باهتمام عدد من الباحثين من العرب وغيرهم، ومن أبرز محطات هذه العناية:
- الترجمة الإنجليزية: ترجمته إلى الإنجليزية باحثتان أمريكيتان هما جوديث فوربس وجلسن شريف، ونشرتاه مع نصوص أخرى تحت عنوان جامع (مخطوطة عباس باشا) سنة ١٤١٣هـ (١٩٩٣م).
- عمل الشيخ حمد الجاسر: أدرج علّامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر مادة الكتاب شبه كاملة في مؤلَّفه (أصول الخيل العربية الحديثة) الذي نشره سنة ١٤١٥هـ (١٩٩٦م).
- نشرة مكتبة الملك عبدالعزيز: أصدرته مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض في نشرة وافية سنة ١٤٢٨هـ (٢٠٠٧م)، بعد أن عُهد إلى ثلاثة من الأساتذة — هم عبدالله عسيلان، وعبدالعزيز الفريح، وفايز البدراني — بمراجعته والتعليق عليه.
أهمية الكتاب لتاريخ القبائل
ما يجعل هذا الكتاب ذا قيمة استثنائية أنه أُلِّف قبل أزيد من مئة وستين سنة، ما يجعله مرجعاً مبكراً لمعرفة منازل القبائل في القرون الأخيرة. فهو لا يقتصر على كونه سجلاً لأصول الخيل، بل يتعداه إلى كونه وثيقة جغرافية واجتماعية تكشف عن توزّع القبائل ومنازلها وأخبارها في تلك الحقبة.
ولهذا السبب صار الكتاب مادة خصبة للباحثين والمؤرخين والنسّابين، ومنهم مؤلّف كتاب “أيام قبيلة السهول في كتاب الأصول” الذي استخرج منه ما يتّصل بأيام قبيلة السهول وأخبارها، وأضاف إليه تعليقات وتحقيقات من مصادر أخرى.